وصف الميتا: دراسة تاريخية موثقة في سِفر رازئيل الملاك، تشرح كيف تشكّل هذا الكتاب من طبقات يهودية صوفية وسحرية، وكيف انتقل من المخطوط إلى طبعة أمستردام 1701، وما الذي تكشفه نسخه عن تاريخ القبالة والسحر اليهودي.
الرابط الدائم المقترح: sefer-raziel-hamalakh-history
التصنيف الرئيسي: القبالة والمخطوطات الباطنية
الوسوم: سِفر رازئيل الملاك، القبالة العملية، السحر اليهودي، المخطوطات العبرية، Raziel HaMalakh
سِفر رازئيل الملاك: كيف تحوّل «كتاب الأسرار» من طبقات يهودية قديمة إلى غريموار مطبوع في أمستردام؟
إحدى الصور المرتبطة بطبعة أمستردام من سِفر رازئيل الملاك. الصورة متاحة عبر Wikimedia Commons.
إذا دخل القارئ إلى عالم الكتب السحرية الغربية من بوابة الثقافة الشعبية، فسوف يقابل عادة أسماء مثل «مفتاح سليمان»، «أبراميلين»، «الأرباتيل»، و«الهبتاميرون». لكن خلف هذه الأسماء الأوروبية يوجد عالم أوسع بكثير من النصوص اليهودية التي أنتجت تصورات معقدة عن الملائكة والأسماء الإلهية والحروف والأفلاك والحماية والبركة. ومن أكثر هذه الأعمال إثارة للاهتمام كتاب يحمل اسم سِفر رازئيل هَمَّلاخ، أي «كتاب رازئيل الملاك».
تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه لا يمكن فهمه بوصفه نصًا واحدًا كتبه مؤلف واحد في لحظة واحدة. الدراسات الحديثة والمخطوطات الباقية تشير إلى شيء أكثر تعقيدًا: إنه مجموعة طبقية تداخلت فيها مواد من أدب الهيخالوت، والتصورات الملائكية القديمة، ونصوص مرتبطة بأسماء الله، ومواد قبالية أشكنازية من العصور الوسطى، وأقسام فلكية وتمائمية. ثم جُمعت هذه العناصر، بصور مختلفة، في مخطوطات متعددة قبل أن تظهر أشهر طبعات الكتاب في أمستردام عام 1701.
هذا الفارق بين «الكتاب الأسطوري» و«الكتاب التاريخي» هو مفتاح فهم الموضوع كله. وفق الرواية التقليدية، فإن الملاك رازئيل كشف أسرارًا لآدم بعد خروجه من جنة عدن، فأصبح الكتاب في المخيلة الدينية كتابًا ذا أصل سماوي. أما المؤرخ فيتعامل مع هذه الرواية بوصفها جزءًا من الهوية الأدبية والرمزية للنص، ثم يسأل أسئلة مختلفة: متى تظهر أجزاء الكتاب لأول مرة؟ من هم الكتّاب الذين نُقلت عنهم مواده؟ ما العلاقة بين النسخ المخطوطة والنسخة المطبوعة؟ وكيف اندمجت مواد متباعدة تاريخيًا في عمل واحد؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تقلل من قيمة الكتاب، بل تزيدها. فهي تكشف سِفر رازئيل بوصفه وثيقة استثنائية عن انتقال المعرفة الدينية والباطنية، وعن العلاقة بين الكتاب والمخطوط والتميمة، وبين التقاليد اليهودية والتلقي المسيحي الأوروبي، وبين المخيلة الأسطورية والعمل المادي للنسّاخ والمحررين والطابعين.
ما معنى «رازئيل» ولماذا ارتبط اسمه بالأسرار؟
يُفهم اسم «رازئيل» عادةً على أنه مرتبط بفكرة «سرّ الله» أو «أسرار الإله». وفي الأدب الملائكي اليهودي المتأخر يظهر رازئيل بوصفه ملاكًا قريبًا من مجال الكشف والمعرفة المخفية. ليست الملائكة في هذه النصوص مجرد شخصيات سردية؛ فهي عناصر داخل خريطة كونية وأخلاقية ولغوية، لكل منها اسم ووظيفة وموقع وعلاقة بأسماء مقدسة أخرى.
الرواية الأشهر التي ارتبط بها الكتاب تقول إن رازئيل نقل إلى آدم معرفة خفية بعد الخروج من الجنة. وفي تقاليد أخرى تنتقل الأسرار عبر نوح أو شخصيات لاحقة. مثل هذه الروايات ليست سجلًا تاريخيًا لتأليف الكتاب، لكنها مهمة لأنها تشرح كيف قدّم الكتاب نفسه، وكيف اكتسب سلطة رمزية. عندما يُنسب نص إلى ملاك أو نبي أو ملك قديم، فإن النسبة تعمل بوصفها آلية تمنح المعرفة مكانة خاصة، وتضعها داخل سلسلة أقدم من المؤلف أو الناسخ الواقعي.
هذا النوع من النسب شائع في الأدب الديني والباطني. فالأعمال السليمانية تنسب إلى سليمان، وبعض النصوص الهرمسية تنسب إلى هرمس، وبعض المؤلفات القديمة نُسبت إلى شخصيات ذات سلطة فكرية أو دينية. لا يعني ذلك أن القراء التاريخيين كانوا جميعًا ساذجين؛ بل يعني أن مفهوم «المؤلف» في الثقافة المخطوطة يختلف أحيانًا عن مفهوم التأليف الحديث. السلطة قد تأتي من النسبة والسلسلة والتقليد بقدر ما تأتي من اسم الكاتب الفرد.
هل سِفر رازئيل كتاب قبالي أم كتاب سحر؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يخفي مشكلة تصنيفية. فكلمة «قبالة» نفسها تشمل تقاليد متعددة: تأملية ولاهوتية ولغوية وصوفية، إضافة إلى ما يُسمى أحيانًا «القبالة العملية». أما «السحر اليهودي» فهو بدوره مجال واسع يضم التمائم والأسماء الملائكية والتعاويذ والممارسات الوقائية والتقاليد الشعبية والنصوص الأدبية. لذلك فإن وضع سِفر رازئيل في صندوق واحد قد يحجب طبيعة الكتاب المركبة.
المصادر المؤسسية الحديثة تصفه غالبًا بعبارات مثل «القبالة العملية» أو «كتاب سحري قبالي»، لكن هذا الوصف لا يعني أن محتواه يمثل القبالة اليهودية كلها. إنه بالأحرى نقطة تقاطع بين عدة مسارات. فهناك مواد تتعامل مع الملائكة والأسماء الإلهية، وأخرى مع الأبراج والأفلاك، وأقسام ذات وظيفة تمائمية أو وقائية، ومواد تعيد توظيف تقاليد أقدم من زمن تشكل القبالة بصورتها الكلاسيكية.
ولهذا ينبغي التمييز بين القبالة كتراث فكري واسع وبين هذا الكتاب المحدد. الزوهار، مثلًا، ليس هو سِفر رازئيل، وسِفر يتصيرا ليس هو سِفر رازئيل، وأدب الهيخالوت ليس هو سِفر رازئيل، رغم أن بعض طبقات الكتاب تتصل بهذه العوالم أو تستفيد منها. هذه التفرقة ضرورية لتجنب الخطأ الشائع الذي يحوّل كل نص عبري باطني إلى «قبالة» بالمعنى نفسه.
الكتاب ليس نصًا واحدًا: ما الذي تقوله الدراسات الحديثة؟
من أهم النتائج التي يقدمها البحث الأكاديمي الحديث أن نسخة أمستردام الشهيرة من عام 1701 لا تتطابق ببساطة مع مخطوط أقدم محفوظ يمكن الإشارة إليه باعتباره «الأصل». الباحث موشيه إيدل، في دراسة حديثة عن سِفر رازئيل بوصفه قناة للثقافة الأشكنازية الوسيطة، يلفت إلى أن الطبعة المطبوعة تمثل تجميعًا لعدة طبقات أدبية، وأنه لا توجد مخطوطة واحدة معروفة تطابقها تمامًا.
هذه الملاحظة تغير الطريقة التي ينبغي قراءة الكتاب بها. بدل أن نسأل: «من كتب سِفر رازئيل؟»، يصبح السؤال الأكثر دقة: «كيف تراكمت المواد التي صارت لاحقًا سِفر رازئيل؟». والفرق كبير؛ لأنه ينقل البحث من فكرة المؤلف الفرد إلى تاريخ التحرير والنقل.
بحسب التحليل الذي يلخصه إيدل، يمكن رؤية طبقات متنوعة في الكتاب المطبوع. بعض المواد الأقدم ترتبط بتقاليد الهيخالوت وشيعور قوماه، وهو أدب صوفي قديم شديد التعقيد يتعامل مع أوصاف كونية ورمزية للجسد الإلهي والأسماء. هناك أيضًا إشارات ومواد متصلة بـسِفر هَرازيم، وبـأوتيوت دِرابي عكيفا، وبسِفر يتصيرا. ثم تأتي طبقة كبيرة مرتبطة بكتابات يهود ألمانيا في القرن الثالث عشر، ولا سيما المواد التي ترتبط باسم إلعازر من فورمز، أحد أبرز أعلام حسيدي أشكناز، إلى جانب مواد منسوبة إلى شخصيات أخرى مثل نحميا بن شلومو.
توجد كذلك طبقات لاحقة من التقاليد السفاردية والبيزنطية، خاصة في موضوع الأسماء الإلهية. ومعنى هذا أن الكتاب يمثل أشبه بـمكتبة مصغرة جُمعت داخل غلاف واحد. وهو ما يفسر لماذا تبدو أقسامه أحيانًا شديدة الاختلاف من حيث اللغة والأسلوب والموضوع.
إلعازر من فورمز وحسيدية أشكناز: قلب وسيط مهم
لا يمكن فهم تاريخ سِفر رازئيل من دون وضعه في سياق حسيدي أشكناز، أي التيار الديني والصوفي الذي ازدهر بين يهود الراين وألمانيا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. ومن الشخصيات المهمة في هذا السياق إلعازر من فورمز، الذي ارتبط اسمه بعدة أعمال تتناول الأسرار واللغة والأسماء والتصورات الملائكية.
التصوف الأشكنازي الوسيط لم يكن نسخة مبكرة من القبالة الإسبانية اللاحقة فحسب، بل كان له عالمه الخاص: التأمل في الحروف والأسماء، الاهتمام بالتقاليد الملائكية، القراءات العددية، الزهد، وأحيانًا مواد يمكن تصنيفها في إطار السحر الديني أو العملي. وفي هذا الوسط يصبح مفهوم «السر» ليس مجرد معلومة مخفية، بل معرفة تتطلب أهلية وسياقًا ونقلًا مضبوطًا.
إن وجود طبقة واسعة من مواد هذا الوسط داخل سِفر رازئيل يفسر لماذا يحمل الكتاب طابعًا يهوديًا أوروبيًا وسيطًا واضحًا، رغم ادعائه الأسطوري بالعودة إلى آدم. النص بهذا المعنى يعمل على مستويين متزامنين: مستوى سردي يربطه بأصل بدئي، ومستوى تاريخي يكشف شبكات العلماء والنسّاخ والمجتمعات التي صنعت مواده فعلًا.
من آدم إلى نوح: لماذا تختلف أساطير انتقال الكتاب؟
أحد الجوانب اللافتة أن «كتاب الأسرار» لا يظهر دائمًا في الروايات بالطريقة نفسها. بعض التقاليد تربطه بآدم، وبعضها بنوح. هذا ليس تناقضًا ينبغي حله بالضرورة، بل دليل على وجود سلاسل روائية متعددة. ففي الأدب السحري اليهودي المتأخر توجد أعمال أخرى تنسب كشف الأسرار إلى ملائكة وشخصيات كتابية، ومن أشهرها سِفر هَرازيم، الذي تُربط فيه معرفة سرية بنوح.
وجود أكثر من نموذج لنقل السر مفهوم إذا تذكرنا أن الثقافة الدينية القديمة والوسيطة لم تكن تتعامل مع الأسرار بوصفها «اختراعات». المعرفة المقدسة المثالية تُتصور عادةً كشيء أقدم من الإنسان الحاضر، يُكشف ثم يُنسى ثم يُعاد نقله. ولذلك تؤدي شخصية آدم دور أصل البشرية، بينما يؤدي نوح دور حامل المعرفة عبر الطوفان، ويؤدي سليمان دور الملك الحكيم القادر على السيطرة الرمزية على العالم الروحي في تقاليد أخرى.
الدارس الحديث لا يحتاج إلى اختيار أي رواية باعتبارها حقيقة تاريخية. يمكنه بدلًا من ذلك تحليل وظيفة كل رواية: ماذا تضيف شخصية آدم؟ ماذا يضيف نوح؟ لماذا يكون الملاك هو الوسيط؟ وكيف تنتج هذه القصص شرعية للكتاب؟
العلاقة بين سِفر رازئيل وسِفر هَرازيم
تشابه الاسمين يسبب خلطًا متكررًا. سِفر هَرازيم يعني «كتاب الأسرار»، وهو نص سحري يهودي مختلف له تاريخ مستقل، رغم أن بعض مادته أو تقاليده انعكست في سِفر رازئيل. تشير الدراسات إلى وجود روابط بين الأدبين، خصوصًا في تصور طبقات السماء والملائكة والأسماء والعمليات المرتبطة بها.
لكن لا يصح اعتبار الكتابين اسمين للنص نفسه. من الناحية التاريخية والنصية، نحن أمام أعمال مختلفة، وإن كان عالمهما الثقافي متداخلًا. وهذا يوضح مشكلة أكبر في تاريخ الكتب السحرية: العناوين قد تكون متقاربة، والمحتويات تنتقل من مؤلف إلى آخر، والنسّاخ يجمعون مواد من مصادر عديدة، ما يجعل الحدود بين «كتاب» و«مجموعة» أقل صلابة من الحدود التي تعودنا عليها في النشر الحديث.
الأسماء الإلهية والملائكية: اللغة بوصفها خريطة للقداسة
من أبرز السمات التي تلفت القارئ في سِفر رازئيل كثافة الأسماء: أسماء إلهية، أسماء ملائكية، سلاسل حروف، واختصارات ورموز. من منظور الممارس التاريخي، كانت للأسماء وظائف روحية وطقسية محددة. أما من منظور تاريخ الأديان، فإنها تكشف تصورًا للغة مختلفًا جذريًا عن الاستخدام اليومي.
في كثير من التقاليد اليهودية الباطنية، لا تكون الحروف مجرد وسائل لتمثيل الأصوات؛ بل ترتبط بفكرة أن الخلق نفسه قابل للفهم من خلال اللغة، وأن أسماء الله ليست أوصافًا عادية. هنا تلتقي بعض موضوعات سِفر رازئيل مع عالم أوسع يشمل سِفر يتصيرا، والقبالة الحرفية، وحساب الجُمَّل، والتأمل في الأبجدية.
لكن من المهم عدم دمج كل هذه التقاليد في نظام واحد افتراضي. استخدام الاسم الإلهي في نص تمائمي قد تكون له وظيفة مختلفة عن التأمل الفلسفي في الحروف لدى قبالي آخر. المؤرخ يسأل دائمًا: ما وظيفة الاسم داخل هذا المقطع وهذا العصر وهذا السياق؟
عندما تتحول الصفحة إلى صورة: الدوائر والنجوم والرموز
نماذج من الرموز والكتابات التمائمية المرتبطة بطبعة أمستردام 1701. العمل في الملكية العامة وفق صفحة الملف في Wikimedia Commons.
تمنح الرسوم سِفر رازئيل هويته البصرية. فالصفحات لا تحتوي على نص متصل فقط، بل تضم مخططات وأشكالًا هندسية ونجومًا وأسماء موزعة داخل دوائر وأطر. هذه العناصر تجعل الكتاب مثالًا ممتازًا على ما يمكن أن نسميه التفكير البصري الباطني.
من السهل على قارئ حديث أن يرى الشكل ويبحث فورًا عن «معناه» كما لو كان شعارًا ذا ترجمة واحدة. لكن المخطوطات والطبعات القديمة تدعونا إلى الحذر. الرمز قد يتكون من طبقات: شكل هندسي، كتابة عبرية، اسم ملاك، اقتباس كتابي، حروف مختصرة، وربما وظيفة تمائمية محددة. كما أن النسخ وإعادة الطباعة قد تغير تفاصيل صغيرة تؤثر في الشكل.
لهذا فإن دراسة الصورة تحتاج إلى ثلاثة مستويات: الوصف المادي لما يظهر، قراءة النصوص والحروف الموجودة داخله، ثم تفسير وظيفته ضمن الصفحة. لا ينبغي القفز مباشرة إلى معنى عالمي ثابت. فالنجمة السداسية مثلًا ليست في كل سياق «رمزًا قباليًا» بالمعنى نفسه، والدائرة ليست دائمًا دائرة استحضار، والاسم الملائكي قد يظهر في سياق دعاء أو حماية أو تصنيف كوني.
الفلك والأبراج: السماء داخل الكتاب
تحتوي تقاليد سِفر رازئيل على مواد فلكية وتنجيمية، وهو أمر ليس غريبًا في ثقافة العصور الوسطى. الحدود بين علم الفلك والتنجيم لم تكن مطابقة للحدود الحديثة، وكانت المراسلات بين الكواكب والأيام والأوقات والأجسام والأسماء جزءًا من تصور واسع للنظام الكوني.
الكتاب يستفيد من فكرة أن الزمن نفسه ليس محايدًا، وأن الساعات والأيام والاتجاهات يمكن تصنيفها ضمن شبكة علاقات. هذه الفكرة تظهر كذلك في كتب سحرية مسيحية وإسلامية ويهودية متعددة. لذلك فإن المقارنة لا تعني بالضرورة انتقالًا مباشرًا في كل حالة، لكنها تكشف مناخًا فكريًا مشتركًا انتشرت فيه نماذج فلكية من العالم القديم عبر العربية واللاتينية والعبرية.
ومن الزاوية الثقافية، تكشف هذه المواد كيف حاول الإنسان الوسيط تحويل السماء إلى نظام قابل للقراءة. الكوكب يصبح علامة في جدول، والساعة لها صفة، والاسم يُدرج في شبكة من المراسلات. وحتى إذا لم نقبل الادعاءات التنجيمية بوصفها حقائق علمية، فإن هذه الخرائط تظل مهمة لفهم تاريخ تصور الكون.
المخطوط الإيطالي اللاتيني في جامعة بنسلفانيا: شاهد على انتقال النص
من أهم الشواهد المادية المتاحة رقميًا اليوم مخطوط محفوظ في جامعة بنسلفانيا ضمن مجموعة تشارلز رينسفورد للمخطوطات الخيميائية والباطنية. تصفه الجامعة كمجموعة من النصوص القبالية ذات اهتمام خاص بالملائكة، ويحتوي على ترجمة إيطالية ولاتينية لمقتطفات من سِفر رازئيل، مع ملاحظات إنجليزية وحروف عبرية.
أهمية هذا المخطوط لا تأتي فقط من محتواه، بل من تعدد لغاته. وجود الإيطالية واللاتينية والعبرية والإنجليزية في مجلد واحد يقدم لقطة واضحة عن حياة النص خارج محيطه العبري الأصلي. فالمترجم أو الناسخ الأوروبي لا ينقل الكلمات فحسب؛ إنه يعيد ترتيب المعرفة لتصبح مفهومة داخل ثقافة أخرى.
تذكر بيانات جامعة بنسلفانيا أن المخطوط كان مملوكًا في مرحلة سابقة للكلية اليسوعية في نابولي. إذا أخذنا هذا المسار بوصفه تاريخ ملكية موثقًا للمجلد، فإننا نجد أنفسنا أمام مفارقة مهمة: نص يهودي سحري أو قبالي ينتقل إلى بيئة أوروبية مسيحية متعلمة، ويصبح موضوع جمع وقراءة وترجمة. هذه الحركات عبر الحدود الدينية هي جزء أساسي من تاريخ الباطنية الغربية.
لا يعني وجود النص في مجموعة مسيحية أن أصحابه تبنوا معتقداته أو مارسوا ما يصفه. المقتنيات قد تُجمع لأسباب علمية أو جدلية أو فضولية أو لغوية أو تاريخية. لكن وجود المخطوط نفسه يثبت أن المعرفة العبرية الباطنية لم تكن محصورة داخل جماعة واحدة.
من المخطوط إلى المطبعة: أمستردام 1701
تمثل طبعة أمستردام عام 1701 نقطة تحول في تاريخ سِفر رازئيل. المطبعة لا تقوم فقط بإكثار النسخ؛ إنها تميل أيضًا إلى تثبيت شكل معين من النص. قبل الطباعة، كل مخطوط يمكن أن يختلف في الترتيب والمحتوى والأخطاء والرسوم. أما الطبعة المطبوعة فتنتج عددًا كبيرًا من النسخ المتطابقة نسبيًا، وتصبح لاحقًا مرجعًا لما يظنه القراء «الكتاب» نفسه.
تشير Posen Library إلى طبعة أمستردام لعام 1701 وإلى أنها تمثل عملًا من القبالة العملية يضم علم الملائكة والتمائم واستعمالات مرتبطة بالبروج وحساب الجُمَّل والأسماء الإلهية. كما تظهر سجلات أخرى أن هذه الطبعة ارتبطت باسم موسى مندس كوتينيو في أمستردام.
ومن الناحية التاريخية، يجب ألا نخلط بين تاريخ الطباعة وتاريخ المواد. فالكتاب المطبوع سنة 1701 يضم عناصر أقدم بكثير. الطباعة هنا ليست لحظة ميلاد كل النصوص، بل لحظة تحرير وتجميع وتثبيت لشكل أصبح ذا تأثير واسع لاحقًا.
لماذا لا توجد مخطوطة واحدة مطابقة لطبعة 1701؟
هذه النقطة من أكثر ما يثير اهتمام دارس تاريخ الكتاب. عندما لا نجد مخطوطًا واحدًا يطابق الطبعة المطبوعة تمامًا، فهذا يعني أن المحرر أو الناشر أو سلسلة النسخ السابقة شاركت في عملية جمع. قد تكون أجزاء مأخوذة من أكثر من مصدر، أو أُعيد ترتيبها، أو استُكملت من تقليد شفهي أو مخطوطات لم تصل إلينا.
النتيجة هي أن «سِفر رازئيل» يصبح اسمًا لعائلة من المواد بقدر ما هو اسم لكتاب. وهذا شبيه بما يحدث في تقاليد غريموارية أخرى؛ حيث يختلف المحتوى تحت العنوان نفسه من مخطوط إلى آخر. الاسم يمنح هوية، لكن الهوية لا تضمن التطابق.
هذه الملاحظة مفيدة جدًا للقارئ الحديث الذي يقارن طبعتين ويجد اختلافات. ليس من الضروري أن تكون إحداهما «مزورة» والأخرى «الحقيقية». قد تمثلان فرعين مختلفين من تاريخ نقل النص.
رازئيل بين اليهودية والثقافة الباطنية المسيحية
وصل اسم رازئيل ومواد مرتبطة به إلى فضاءات مسيحية أوروبية، وأحيانًا عبر اللاتينية. أحد الأسباب هو الاهتمام المسيحي بالعبرية والقبالة منذ عصر النهضة، حين رأى بعض المفكرين في اللغة العبرية مفتاحًا لفهم الأسرار القديمة. هنا ظهرت ما يسمى غالبًا «القبالة المسيحية»، وهي ليست استمرارًا مباشرًا للقبالة اليهودية بل إعادة قراءة لها داخل مشروع لاهوتي مسيحي.
في هذا الانتقال، قد تتغير وظيفة العناصر. الاسم العبري الذي كان جزءًا من دعاء أو نص تمائمي يندمج في منظومة مسيحية ملائكية. الرسم الذي له سياق يهودي يُنسخ في مخطوط أوروبي إلى جانب نصوص سحرية لاتينية. ومع كل انتقال تحدث إعادة تفسير.
هذه العملية هي أحد الأسباب التي تجعل المقارنة التاريخية ضرورية. عندما نرى رمزًا عبريًا في كتاب سحر غربي متأخر، لا ينبغي افتراض أن معناه مطابق لمعناه في المصدر اليهودي. علينا تتبع الطريق بين النصين إن أمكن.
هل سِفر رازئيل هو «Liber Razielis» اللاتيني؟
توجد في أوروبا اللاتينية أعمال تحمل اسم رازئيل أو «Liber Razielis»، وبعضها ارتبط بالتقاليد السليمانية أو الفلكية. التشابه في الاسم لا يعني بالضرورة أن كل هذه الكتب نسخة مباشرة من طبعة سِفر رازئيل العبرية التي نعرفها اليوم. فالتاريخ النصي هنا متشابك، واسم الملاك نفسه أصبح علامة على نوع من الحكمة السرية.
بعض الدراسات تشير إلى انتقال مواد رازئيلية إلى اللاتينية في العصور الوسطى، وارتباطها بدوائر الترجمة الإسبانية. لكن التعامل المسؤول مع هذه المسألة يتطلب دراسة مخطوطية دقيقة بدل دمج كل «كتاب لرازئيل» في نص واحد. عنوان قريب قد يخفي محتوى مختلفًا.
التميمة والكتاب: عندما يصبح امتلاك النص فعلًا رمزيًا
من الظواهر اللافتة في التاريخ الشعبي لسِفر رازئيل الاعتقاد بأن امتلاك الكتاب نفسه يمكن أن يؤدي وظيفة وقائية، خاصة ضد الحريق أو في سياقات الولادة والحماية المنزلية. هذه المعتقدات موثقة في تداولات لاحقة للكتاب، ولا تزال نسخ صغيرة منه تباع أحيانًا بوصفها «سِغولا» أي وسيلة بركة أو حماية في التصور الشعبي.
من منظور أنثروبولوجي، هذه الظاهرة مثيرة جدًا لأنها تحول الكتاب من وعاء للقراءة إلى غرض ذي وظيفة. ليس ضروريًا أن يقرأ المالك كل الصفحات؛ وجود النص في المكان قد يكون هو الفعل الرمزي نفسه. نجد ظواهر مشابهة في ثقافات أخرى، حيث تُحمل نصوص مقدسة أو تُعلّق في المنازل أو تُستخدم في الحماية.
لكن ينبغي التفريق بين تسجيل هذا الاعتقاد وبين تأكيد فعاليته. المصادر التاريخية تثبت أن أناسًا اعتقدوا بأن الكتاب يحمي، لا أنها تقدم دليلًا علميًا على أن وجوده يمنع الحريق أو المرض. هذا الفرق بين «حقيقة الاعتقاد» و«حقيقة الادعاء» من أهم قواعد دراسة الدين والسحر.
التمائم والولادة وليليث: سياق اجتماعي لا مجرد رعب خارق
تميمة تاريخية للحماية مرتبطة بتقاليد الولادة والخوف من ليليث، متاحة في الملكية العامة عبر Wikimedia Commons.
ارتبطت بعض الصور والتمائم المتداولة حول سِفر رازئيل بالحماية أثناء الولادة وبالروايات الشعبية عن ليليث. لفهم هذه المواد لا يكفي أن نصفها بأنها «طرد شيطان». يجب وضعها في سياق تاريخي كانت فيه الولادة واحدة من أخطر لحظات الحياة للأم والطفل، قبل الطب الحديث والمضادات الحيوية والجراحة الآمنة.
في مثل هذا العالم، تنتج المجتمعات آليات رمزية للتعامل مع الخوف وعدم اليقين. التميمة والدعاء واسم الملاك يمكن أن يمنح الأسرة إحساسًا بالحماية والنظام في موقف شديد الخطورة. هذه الوظيفة النفسية والاجتماعية لا تحتاج إلى إثبات وجود الكائنات الخارقة التي تتحدث عنها الروايات.
بهذا المنظور، تصبح التميمة مصدرًا لتاريخ المشاعر أيضًا: الخوف من فقد الطفل، أمل الأم، محاولة المجتمع خلق حدود ضد الخطر. وهي تذكرنا بأن السحر الشعبي لا يعيش في الفراغ، بل يتصل مباشرة بتجارب المرض والموت والولادة والحرب والفقر.
من هم «الملائكة» في بنية الكتاب؟
يستخدم سِفر رازئيل شبكة واسعة من الأسماء الملائكية. لكن فكرة «الملاك» هنا ليست دائمًا مطابقة للصورة الحديثة المبسطة للكائن المجنح. في أدب الهيخالوت والتمائم، قد تكون الملائكة عناصر في إدارة كونية معقدة، مرتبطة ببوابات وسماوات وأوقات واتجاهات ووظائف.
يمكن مقارنة ذلك بالبيروقراطية الرمزية: الكون يُتخيل كمراتب، ولكل مرتبة أسماء وسلطات. الاسم ليس مجرد تسمية بل مؤشر على الموقع والوظيفة. هذه البنية تمنح العالم غير المرئي صورة منظمة، وتساعد على تفسير لماذا تصبح قوائم الأسماء مركزية في الأدب الباطني.
ومن المهم ألا نجمع كل قوائم الملائكة في كل العصور داخل جدول واحد ونفترض الاتساق. أسماء الملائكة ووظائفهم تتغير بين النصوص. ما ينسبه سِفر رازئيل إلى اسم ما قد يختلف عما نجده في أدب قبالي أو مسيحي آخر.
شيعور قوماه: أحد أقدم الأصداء داخل المجموعة
تذكر الدراسات أن طبعات سِفر رازئيل تضم مواد من أو مرتبطة بأدب شيعور قوماه. هذا التقليد معروف بأوصاف هائلة ورمزية لمقاييس «الجسد الإلهي» وأسماء غامضة ترتبط بالأعضاء. القراءة الحرفية لهذه الأوصاف أثارت جدلًا طويلًا؛ لأن اليهودية تؤكد تنزيه الله عن الجسم.
الباحثون يتعاملون مع هذه النصوص ضمن تاريخ التصوف اليهودي المبكر، حيث قد تكون المقاييس الهائلة والأسماء وسائل للتعبير عن عدم قابلية الإله للإحاطة لا وصفًا تشريحيًا بسيطًا. مهما كان تفسيرها اللاهوتي، فإن وجود مواد من هذا العالم داخل سِفر رازئيل يثبت أن الكتاب جمع عناصر أقدم من القبالة في العصور الوسطى.
وهذه نقطة أساسية: الكتاب ليس «اختراعًا من سنة 1701». طبعة 1701 حديثة نسبيًا، لكن بعض المواد التي دخلت فيها لها تاريخ أقدم بكثير.
أوتيوت دِرابي عكيفا وسر الحرف
تظهر ضمن الطبقات التي يحددها الباحثون إشارات إلى تقاليد حروف ربي عكيفا. الأدب الحروفي اليهودي ينظر إلى الأبجدية بوصفها أكثر من أداة للكتابة. الحروف يمكن أن تكون وحدات تأمل، مفاتيح لتفسير الخلق، وحاملات لعلاقات عددية ولغوية.
هذا الجانب يساعدنا على فهم لماذا يبدو بعض محتوى سِفر رازئيل غامضًا جدًا عند الترجمة. إذا كان النص يبني معناه على شكل الحرف وقيمته العددية وصوته واسمه في الوقت نفسه، فإن نقل المعنى إلى لغة أخرى يفقد جزءًا من الشبكة.
لهذا لا توجد «ترجمة بسيطة» لبعض المواد. الترجمة الجيدة تحتاج إلى شرح، لا إلى استبدال كلمة بكلمة فقط.
هل الكتاب دليل على «السحر اليهودي القديم»؟
نعم ولا. نعم بمعنى أن سِفر رازئيل يحفظ ويعيد توظيف عناصر لها جذور في تقاليد سحرية وصوفية يهودية قديمة ووسيطة. ولا بمعنى أن الشكل المطبوع المعروف لا يعود كله إلى العصور القديمة. القول إن «الكتاب أعطي لآدم» هو رواية تقليدية، لا تاريخًا يمكن التحقق منه.
الأدق هو وصفه بأنه مستودع نصي وسيط ومتأخر يحتوي على طبقات أقدم. هذا التعبير يحافظ على التعقيد ولا يحول كل مادة إلى عمر واحد.
أشهر خطأ: الخلط بين «الأسطورة» و«التاريخ»
في مواقع الإنترنت، تُروى قصة رازئيل وآدم أحيانًا بصيغة تقريرية: «كتب الملاك الكتاب وأعطاه لآدم». هذه صياغة غير دقيقة أكاديميًا. الأفضل قول: «تروي التقاليد المرتبطة بالكتاب أن الملاك رازئيل كشف أسراره لآدم». إضافة كلمة «تروي» تغير كل شيء؛ فهي تحترم المعتقد من دون أن تقدمه كواقعة تاريخية مثبتة.
المبدأ نفسه ينطبق على ادعاءات الحماية والنجاح والتأثير. يمكن للباحث أن يشرح ماذا اعتقد المستخدمون وماذا كانت التميمة تعني لهم، لكنه لا يعلن النتائج الماورائية كحقائق.
خطأ آخر: اختزال القبالة في السحر
بسبب شهرة الكتب التمائمية، قد يخرج القارئ بانطباع أن القبالة هي مجموعة وصفات وأسماء سرية. هذا اختزال كبير. القبالة تشمل نظريات عن الإله والخلق والسفيروت والتفسير والروح والوصايا واللغة. بعض فروعها التاريخية رفضت أو قيّدت الممارسة السحرية، وبعضها طور ما سمي «قبالة عملية».
سِفر رازئيل مهم، لكنه ليس ممثلًا وحيدًا للقبالة. وضعه في سياقه يمنع تحويل تراث فكري كامل إلى صورة ثقافة شعبية عن «تعويذات عبرية».
خطأ ثالث: اعتبار كل رمز في الكتاب «سيجيلًا» بالمعنى الحديث
كلمة sigil شائعة في السحر الغربي الحديث، لكن إسقاطها على كل رسم قديم يمكن أن يخفي الفروق. بعض الأشكال تمائم، وبعضها مخططات، وبعضها كتابة مصورة أو أسماء داخل شكل هندسي. لذلك يُفضّل وصف الشكل أولًا وفق ما نراه، ثم استخدام المصطلح التاريخي إذا كان معروفًا.
خطأ رابع: البحث عن «نسخة أصلية واحدة»
التاريخ النصي لسِفر رازئيل مثال جيد على أن البحث عن الأصل الواحد قد يكون مضللًا. توجد مواد متراكمة، نسخ متعددة، طبقات مختلفة، ثم تجميع مطبوع. قد يكون هناك أصول لأقسام بعينها، لكن «الكتاب» بصورته المشهورة نتاج تاريخ تحريري.
كيف يقرأ الباحث سِفر رازئيل اليوم؟
القراءة التاريخية تبدأ بالفهرس لا بالأسطورة. نحدد نسخة بعينها: ما رقمها؟ أين تحفظ؟ ما اللغة؟ ما تاريخ الورق أو الخط؟ من المالك السابق؟ هل هناك ناسخ معروف؟ ثم نقارنها بنسخ أخرى.
بعد ذلك يأتي النقد النصي: هل الأقسام مرتبة بالطريقة نفسها؟ هل توجد فقرة في نسخة وتغيب في أخرى؟ هل الأخطاء مشتركة؟ هل الرسم نفسه يتغير؟ هذه الاختلافات تبني شجرة احتمالية للعلاقات بين الشواهد.
ثم يأتي السياق: ما الكتب التي كانت متداولة في البيئة نفسها؟ هل يستخدم النص مصطلحات أشكنازية أو إسبانية أو لاتينية؟ هل يقتبس كتابًا أقدم؟ هل يتأثر بفلك عربي أو فلسفة يونانية؟
وأخيرًا تأتي القراءة الدينية والثقافية: ماذا يعني «السر»؟ لماذا الملائكة؟ كيف يرى النص العلاقة بين الإنسان والكون؟ ما دور اللغة المقدسة؟ بهذه الخطوات يتحول الغريموار من مادة للفضول إلى مصدر تاريخي عميق.
الكتاب بوصفه تقنية لذاكرة ثقافية
يمكن النظر إلى سِفر رازئيل كنوع من «الذاكرة المركبة». فالكتاب لا يحفظ مدرسة واحدة، بل يجمع بقايا وطبقات من عوالم متعددة. وربما كان هذا الجمع نفسه سبب بقائه؛ لأن النص الذي يستطيع استيعاب مواد جديدة يظل قابلًا لإعادة الاستخدام.
الطباعة سنة 1701 عملت كآلة لتثبيت هذه الذاكرة. وما كان في المخطوطات شبكة مرنة صار له شكل مطبوع يمكن تداوله على نطاق أوسع. ثم بدأت الطبعة نفسها تؤثر في المخيلة اللاحقة وتصبح مرجعًا للنسخ والترجمات.
القراءة الرمزية: «كتاب الأسرار» كصورة للمعرفة
حتى بعيدًا عن الاعتقاد الحرفي، يقدم سِفر رازئيل فكرة فلسفية قوية: أن العالم يحمل معنى مستترًا يمكن قراءته. الحروف والأسماء والكواكب والملائكة والأوقات ليست وحدات منفصلة، بل عقد في شبكة. من يملك «الكتاب» يملك خريطة لهذه الشبكة.
هذه الصورة تظهر في ثقافات كثيرة. الإنسان يبحث عن نظام خلف الفوضى، وعن لغة تربط السماء بالأرض. في العلم الحديث يتم هذا عبر القياس والنظرية والتجربة. في الفكر الباطني القديم والوسيط كان يتم عبر المراسلات والرموز والأسماء. الفرق بين المنهجين كبير، لكن الحاجة الإنسانية إلى التنظيم والفهم مشتركة.
ومن هنا يمكن فهم جاذبية الكتاب حتى للقارئ المعاصر الذي لا يؤمن بادعاءاته. فهو يمثل محاولة تاريخية لصنع «كون قابل للقراءة».
الكتاب والسلطة: من يحق له معرفة السر؟
فكرة المعرفة السرية تطرح دائمًا سؤال السلطة. إذا كانت المعرفة متاحة للجميع، فلماذا تسمى سرًا؟ في كثير من التقاليد، السر لا يعني فقط أن المعلومة مخفية، بل أن فهمها يتطلب تدريبًا أو أهلية أو تقوى أو سلسلة نقل.
عندما يتحول النص إلى مطبوع، تتغير هذه العلاقة. المطبعة توسع دائرة الوصول، ويمكن لشخص خارج الجماعة الأصلية شراء الكتاب. هكذا تنتقل المعرفة من بيئة أهلية ضيقة إلى سوق كتب أوسع. تاريخ سِفر رازئيل بين المخطوط والطباعة هو أيضًا تاريخ تغير جمهور المعرفة الباطنية.
ما الذي تكشفه تعددية اللغات؟
العبرية والآرامية واللاتينية والإيطالية والإنجليزية ليست مجرد قنوات ترجمة. كل لغة تجلب معها قارئًا جديدًا وافتراضات جديدة. بعض الأسماء لا تُترجم بل تُنقل صوتيًا، وبعض الحروف يعاد رسمها، وبعض المفاهيم تُفسر من خلال مصطلحات مسيحية أو فلسفية.
ولهذا فإن تاريخ الترجمة جزء من تاريخ التغيير. النص لا يعبر الحدود اللغوية دون أثر.
مقارنة مختصرة: سِفر رازئيل ومفتاح سليمان
كلا العملين أصبحا مشهورين في تاريخ السحر الغربي، وكلاهما مرتبط بفكرة سلطة قديمة وأسماء مقدسة ورسوم. لكنهما ليسا نصًا واحدًا ولا ينتميان إلى السياق نفسه. مفتاح سليمان تقليد غريمواري أوروبي منحول إلى الملك سليمان، بينما سِفر رازئيل مجموعة يهودية ذات طبقات أشكنازية وقبالية وأقدم.
تقاطعهما يحدث في فضاءات التبادل: أسماء عبرية، ملائكة، فلك، ترجمة لاتينية، اهتمام مسيحي بالقبالة. دراسة التقاطع مفيدة، لكن دمج الاثنين يلغي خصوصية كل تقليد.
مقارنة ثانية: سِفر رازئيل والزوهار
الزوهار عمل مركزي في تاريخ القبالة، ذو أسلوب تفسيري وصوفي ولغوي مختلف جذريًا عن الطابع التجميعي والتمائمي لسِفر رازئيل. وجود الاثنين تحت مظلة «القبالة» لا يجعلهما النوع نفسه من الكتاب.
هذه المقارنة تساعد القارئ على رؤية التنوع داخل الباطنية اليهودية: هناك تفسير توراتي صوفي، وهناك أدب حروفي، وهناك أدب هيخالوت، وهناك تمائم، وهناك نصوص تجمع بعض هذه العناصر.
هل يمكن اعتبار الكتاب مصدرًا موثوقًا لدراسة اليهودية؟
هو مصدر موثوق لدراسة أجزاء من التاريخ الثقافي والديني والسحري اليهودي، لكنه لا يمثل اليهودية كلها ولا الممارسة الدينية المعيارية لكل جماعة. مثلما لا يمثل كتاب سحر مسيحي عقيدة الكنائس كلها.
أفضل استخدام تاريخي له هو أن نسأل: ما الذي يكشفه عن بيئة محددة؟ كيف فهم بعض الناس الملائكة والحروف والحماية؟ كيف انتقلت النصوص؟ ما العلاقة بين العلم الديني والممارسة الشعبية؟
النسخ الرقمية: ثورة في دراسة الكتب الباطنية
أحد التحولات الكبيرة في القرن الحادي والعشرين هو أن مخطوطات كانت تحتاج إلى رحلة وموافقة مكتبة أصبحت متاحة بصور عالية الدقة. مشروع OPenn بجامعة بنسلفانيا مثلًا يتيح وصفًا وصورًا لمخطوط Raziel ضمن مجموعاته. هذا يسمح للباحث بمقارنة الصفحات واللغات والرسوم مباشرة.
لكن الرقمنة لا تحل كل شيء. الصورة لا تعطي دائمًا ملمس الورق أو العلامة المائية أو ترتيب الملازم أو أثر الحبر. لذلك تبقى دراسة الأصل المادي مهمة عند البحث المتخصص.
كيف غيّرت الإنترنت صورة رازئيل؟
الإنترنت جعل الكتاب مشهورًا خارج سياقه اليهودي، لكنه أدى أيضًا إلى خلط كبير. تنتشر نسخ مترجمة جزئيًا، صور منفصلة عن صفحاتها، ادعاءات عن «أقدم كتاب سحر»، وربط مباشر بينه وبين أنظمة حديثة لم يعرفها مؤلفو طبقاته.
الحل ليس رفض الإنترنت، بل استخدامه نقديًا: العودة إلى المكتبات الرقمية، مقارنة الفهارس الأكاديمية، فحص تاريخ الطبعة، وعدم الاعتماد على اقتباس بلا مرجع.
ماذا عن الادعاءات الخارقة المرتبطة بالكتاب؟
تاريخيًا، نُسبت إلى الأسماء والتمائم والمخططات وظائف حماية أو تأثير أو بركة. هذه الادعاءات جزء من موضوع الدراسة. لكن لا توجد قاعدة علمية تسمح لنا بتقديمها كحقائق مثبتة. يمكن شرحها بوصفها معتقدات وممارسات تاريخية وتجارب ذاتية.
هذا التفريق لا يسخر من المؤمن ولا يهاجمه، بل يحافظ على الدقة: العلم يختبر الادعاءات وفق منهج مختلف، والتاريخ يدرس ما اعتقده الناس وكيف عاشوا ذلك الاعتقاد.
الكتاب في الثقافة الحديثة
ظهر اسم رازئيل في الروايات والألعاب والأعمال الفانتازية والثقافة الباطنية الحديثة، وأحيانًا انفصل تمامًا عن جذوره اليهودية. أصبح «الملاك صاحب كتاب الأسرار» نموذجًا سرديًا جذابًا: شخصية تملك معرفة كاملة أو كتابًا يكشف نظام الكون.
لكن الرجوع إلى التاريخ يجعل الصورة أغنى من الفانتازيا. فالمثير ليس أن كتابًا سقط من السماء، بل أن أجيالًا من البشر جمعت ونسخت وأعادت تفسير ما اعتقدت أنه سر سماوي.
أسئلة شائعة حول سِفر رازئيل الملاك
هل كتب الملاك رازئيل هذا الكتاب فعلًا؟
الرواية التقليدية تنسب الكشف إلى الملاك رازئيل، لكنها ليست حقيقة تاريخية قابلة للإثبات. الدراسات النصية تنظر إلى الكتاب بوصفه مجموعة من طبقات تشكلت خلال العصور القديمة المتأخرة والوسطى ثم جُمعت في أشكال لاحقة.
متى ظهر سِفر رازئيل؟
لا يمكن إعطاء تاريخ واحد لكل مواده. بعض الطبقات لها جذور أقدم، بينما ترتبط أجزاء كبيرة بتقاليد أشكنازية في القرون الوسطى. أشهر نسخة مطبوعة صدرت في أمستردام سنة 1701.
هل سِفر رازئيل جزء من القبالة؟
يُصنف كثيرًا ضمن القبالة العملية أو الأدب القبالي السحري، لكنه يجمع مواد متنوعة ولا يمثل القبالة كلها.
هل سِفر رازئيل هو نفسه سِفر هَرازيم؟
لا. سِفر هَرازيم عمل مختلف، رغم وجود صلات نصية وفكرية بين بعض مواده وبين تقاليد سِفر رازئيل.
هل الكتاب عبري فقط؟
الأصل المعروف لتقاليده يهودي وعبراني بدرجة كبيرة، لكن مواده انتقلت إلى لغات أخرى. توجد مثلًا مخطوطات تحتوي مقتطفات مترجمة إلى الإيطالية واللاتينية مع حروف عبرية وملاحظات إنجليزية.
هل طبعة 1701 هي النسخة الأصلية؟
لا. هي طبعة مؤثرة ومشهورة، لكنها تجميع لمواد أقدم، ولا توجد مخطوطة واحدة معروفة تطابقها تمامًا بحسب الدراسات الحديثة.
لماذا كان الناس يحتفظون بنسخ صغيرة من الكتاب؟
في بعض التقاليد الشعبية اعتُبر امتلاك الكتاب نفسه وسيلة بركة أو حماية، ومنها الحماية من الحريق أو في سياقات الحمل والولادة. هذه معتقدات ثقافية وليست نتائج مثبتة علميًا.
هل كل الرموز في الكتاب يهودية الأصل؟
ليس بالضرورة. بعض المواد تشكلت في بيئات تفاعلت مع تقاليد يونانية وفلكية وبيزنطية وأوروبية. كما أن انتقال النص عبر اللغات أدى إلى إعادة تفسير عناصر متعددة.
هل يمكن قراءة الكتاب دون معرفة العبرية؟
يمكن قراءة الدراسات والترجمات، لكن فهم التفاصيل الحروفية والأسماء والألعاب العددية يصبح أكثر صعوبة دون العبرية والآرامية، لأن بعض المعنى يعتمد على شكل الكلمة وقيمتها وحروفها.
هل توجد مخطوطات رقمية يمكن للباحث رؤيتها؟
نعم. جامعة بنسلفانيا توفر عبر OPenn وColenda مواد رقمية مرتبطة بسِفر رازئيل ومخطوطات قبالية وسحرية، كما تعرض مكتبات ومؤسسات أخرى أوصافًا وصورًا لطبعات تاريخية.
خاتمة: سر الكتاب الحقيقي هو تاريخه المتعدد
ربما كان أكثر ما يناسب سِفر رازئيل أنه كتاب عن «السر»، لأن تاريخه نفسه ظل طويلًا محاطًا بطبقات من الأسطورة والنسبة وإعادة النسخ. لكن البحث الحديث لا يبدد الغموض بقدر ما يستبدله بغموض أكثر ثراءً: كيف اجتمعت مواد من أزمنة مختلفة؟ لماذا اختار المحررون هذه النصوص بالذات؟ ما الذي فُقد من السلاسل المخطوطة؟ وكيف تغير معنى الكتاب حين انتقل من يد ناسخ عبري إلى مطبعة في أمستردام، ثم إلى جامع أوروبي، ثم إلى مكتبة رقمية مفتوحة على الإنترنت؟
إن القيمة الحقيقية لسِفر رازئيل لا تتوقف على قبول ادعاءاته الخارقة أو رفضها. فهو أولًا وثيقة عن الإنسان: عن رغبته في فهم الكون، وفي حماية نفسه من الخطر، وفي رؤية معنى داخل الحروف والأسماء والنجوم. وهو أيضًا وثيقة عن انتقال الثقافة؛ إذ يحمل آثار يهود ألمانيا، وأدب التصوف القديم، والقبالة، والفلك، والطباعة، والترجمة، والتلقي المسيحي.
والقراءة الأكثر إنصافًا هي التي تحافظ على المستويين معًا. نحترم الروايات التي رأت في رازئيل ملاك الأسرار وناقل المعرفة، لكننا لا نخلطها بالتأريخ الأكاديمي. ونقرأ الرموز والتمائم باعتبارها تعبيرًا عن عالم ديني حقيقي عاش فيه الناس، لكننا لا نقدمها كآليات مثبتة علميًا. بهذه الطريقة يتحول الكتاب من «غريموار غامض» إلى نافذة على تاريخ كامل من الفكر واللغة والخوف والأمل والبحث عن النظام.
المصادر والمراجع
- Moshe Idel, “Sefer Razi’el ha-Mal’akh – A Conduit of Medieval Ashkenazi Culture” — دراسة أكاديمية حديثة عن طبقات الكتاب وتاريخ تكوينه.
- National Library of Israel — سجل دراسة Moshe Idel حول Sefer Razi’el ha-Mal’akh.
- National Library of Israel — Bill Rebiger, Zur Redaktionsgeschichte des Sefer Razi’el ha-Mal’akh.
- Posen Library — Sefer Raziel (The Book of Raziel), Amsterdam 1701.
- University of Pennsylvania, Colenda Digital Repository — Collection of cabalistic texts / Sefer Raziel excerpts.
- University of Pennsylvania, OPenn — Ms. Codex 1674, Sefer Raziel HaMalach.
- Jewish Encyclopedia — Shi’ur Komah، خلفية تاريخية عن أحد التقاليد القديمة التي تظهر مواد منها داخل الكتاب.
- Encyclopaedia Judaica / Encyclopedia.com — Raziel، مدخل مرجعي حول الملاك والتقاليد النصية المرتبطة به.
